محمد بن جرير الطبري
120
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عليكما " ، أنه أراد : ثم السلام عليكما ، وادِّعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافتَه إلى السلام إنما جاز ، إذْ كان اسم المسمَّى هو المسمَّى بعينه . ويُسأل القائلون قولَ من حكينا قولَه هذا ، فيقال لهم : أتستجيزون في العربية أن يقال : " أكلتُ اسمَ العسل " ، يعني بذلك : أكلت العسل ، كما جاز عندكم : اسم السلام عليك ، وأنتم تريدون : السلامُ عليك ؟ فإن قالوا : نعم ! خرجوا من لسان العرب ، وأجازوا في لغتها ما تخطِّئه جميع العرب في لغتها . وإن قالوا : لا سئلوا الفرقَ بينهما : فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا أُلزموا في الآخر مثله . فإن قال لنا قائل : فما معنى قول لبيد هذا عندك ؟ قيل له : يحتمل ذلك وجهين ، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله . أحدُهما : أن " السلام " اسمٌ من أسماء الله ، فجائز أن يكون لبيد عنَى بقوله : " ثم اسم السلام عليكما " ، ثم الزما اسمَ الله وذكرَه بعد ذلك ، وَدَعَا ذكري والبكاءَ عليّ ؛ على وجه الإغراء . فرفعَ الاسم ، إذْ أخّر الحرفَ الذي يأتي بمعنى الإغراء . ( 1 ) وقد تفعَلُ العرب ذلك ، إذا أخّرت الإغراء وقدمت المُغْرَى به ، وإن كانت قد تنصبُ به وهو مؤخَّر . ومن ذلك قول الشاعر : يَا أَيُّها المائحُ دَلوِي دُونَكا ! . . . إني رأيتُ النَّاس يَحْمدُونَكا ! ( 2 ) فأغرَى ب " دونك " ، وهي مؤخرة ، وإنما معناه : دونَك دلوي . فذلك قول لبيد : * إلى الحوْلِ ، ثمَّ اسمُ السَّلامُ عَلَيْكُمَا * يعني : عليكما اسمَ السلام ، أي : الزما ذكر الله ودعا ذكري والوجدَ بي ، لأن من بكى حَوْلا على امرئ ميّت فقد اعتذر . فهذا أحد وجهيه .
--> ( 1 ) في المطبوعة : " إذا وأخر " . وقوله " فرفع الاسم " ، يعني ما في قول لبيد " ثم اسم " ، وكان حقه أن ينصب على الإغراء لو قال : " ثم عليكما اسم السلام " بتقديم الإغراء . ( 2 ) هذا رجز في خبر طويل ، الخزانة 3 : 17 قيل هزءًا برجل ألقوه في بئر ثم رجزوا به . والمائح : هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها ، فيلقي الدلاء فيملؤها بيده ويميح لأصحابه .